الاتحاد العالمي للمسندين
arrow_forward لجنة المجلة العلمية

تخيلت نفسي في الجنة [٢]

corporate_fare لجنة المجلة العلمية calendar_today 09 سبتمبر 2026
تخيلت نفسي في الجنة [٢]

مقال تخيلي عن طالب علم تخيل نفسه في الجنة ولقائه بالعلماء

🌷 وتخيلتُ نفسي في الجنة، وإذا بي أتنقل بين أئمة العلم وأعلام الهدى، كأنني في روضةٍ من رياض المعرفة، كلما فرغتُ من إمامٍ اشتاقت النفس إلى إمام، وكلما سمعتُ من عالمٍ تاقت الروح إلى عالم. ✍️ فقلت: أين الشافعي الهمام؟ أين الإمام الذي أسس علم أصول الفقه، وأقام بنيانه على أمتن القواعد؟ أين اللغوي البارع، والفصيح البليغ، الذي حفظ أشعار بني هذيل، وغاص في دقائق العربية حتى صار حجةً فيها؟ أين الشاعر الذي كانت الكلمة على لسانه تنساب عذبةً جزلة، وتجيء العبارة منه بينةً مشرقة؟ ثم أذهب إليه، فأجلس بين يديه، وأستمع إلى لغته الجزلة الجميلة، وأصغي إلى ذلك البيان الذي طالما قرأتُه في الكتب، فإذا به أمامي حيًّا ناطقًا، فأقول في نفسي: ما أعجب أن يتحول ما قرأناه سطورًا إلى لقاء، وما حفظناه نصوصًا إلى حديث، وما تخيلناه في الكتب إلى وجهٍ وصوتٍ ومجلس! ✍️ ثم أقول: دلوني على الدارقطني! أين إمام العلل، والعالم الجليل، والحافظ الذي أملى كتاب العلل من حفظه؟ كيف لا نشهد له بالحفظ، وقد كان هذا العلم بأبوابه ودقائقه حاضرًا في صدره؟ ثم أجلس إليه، وأتذاكر معه مسائل العلل، وأسأله عن بعض الأحاديث التي أُعلّت، وأستكشف منه دقائق هذا الفن، وكيف كان ينظر في طرق الحديث ورجاله واختلاف الروايات، وكيف جمع ذلك الكتاب العظيم واستوعبه وحفظه في ذهنه. فأظل أتعجب من سعة هذا الحفظ، ومن دقة هذا العلم، ومن عقلٍ جمع بين كثرة الرواية ونفاذ البصيرة. ✍️ ثم أقول: دلوني على إمام المقاصد! أين الشاطبي الهمام، أبو إسحاق، ناشر هذا الفن الجليل، ومؤصل علم مقاصد الشريعة؟ أين صاحب الاعتصام، وصاحب الموافقات، ذلك الكتاب الذي فتح للناس بابًا من أبواب النظر في أسرار التشريع وحِكمه وغاياته؟ فأجلس إليه، وأستمع إلى حديثه عن مقاصد الشريعة، وأتأمل كيف كان ينظر إلى الأحكام في كلياتها وغاياتها، فأزداد إعجابًا بذلك العقل الذي جمع بين دقة الاستنباط وسعة النظر، وبين النص وروحه، والجزئي وكلياته. ✍️ ثم أقول: وأين الإمام الروحاني؟ أين صاحب المواعظ والرقائق، الذي كان لكلامه وقعٌ في القلب، شمس الدين ابن قيم الجوزية، تلميذ أبي العباس ابن تيمية؟ أجلس إليه، وأفتح بين يديه صفحاتٍ من مدارج السالكين، ثم أقرأ عليه شيئًا مما كتب، فإذا به يشرح لي عباراته، ويفتح مغاليقها، ويكشف دقائقها، ويعيد للمعاني روحها التي لا تظهر إلا على لسان صاحبها. فأستمع إليه، وأقول: ما أعجب الكلام حين يصدر عن صاحبه، وما ألذ العلم حين تسمعه من الرجل الذي عاشه قلبًا وسلوكًا وعبارة! ✍️ ثم لا ألبث أن أقول: أين واعظ الدنيا؟ أين الرجل الذي فتح الله عليه في الوعظ فتحًا عجيبًا؟ أين أبو الفرج ابن الجوزي، واعظ بغداد، الذي كانت المواعظ تجري على لسانه جريان الماء، وكانت عباراته تستولي على القلب قبل أن تبلغ الأذن؟ أذهب إليه، وأجلس في مجلسه، وأستمع إلى مواعظه التي كان يمليها من حفظه، وأتذوق كلماته النقية، وأستمتع بتلك العبارات التي صقلها العلم، وهذبها الأدب، وأشعلها صدق التجربة. وهناك، بين هؤلاء الأئمة، أشعر أنني لم أدخل الجنة لأرى نعيمًا فحسب، بل لأرى أهل العلم الذين طالما صحبتهم في الكتب ولم ألقهم في الدنيا؛ فأجلس إليهم بلا حائل، وأسأل بلا تردد، وأستمع بلا خوف من انقضاء المجلس، وأنتقل من بحرٍ إلى بحر، ومن إمامٍ إلى إمام، وكأن العمر كله قد أُعطي لي من جديد، ولكن هذه المرة لأعيش ما كنت أتمنى أن أعيشه في الدنيا. فيا لها من أمنية! أن تجتمع في مجلسٍ واحدٍ أرواحُ العلم والبيان، وأن ترى بعينيك من كنت لا تراه إلا بين دفتي كتاب، وأن تسمع من أفواههم ما طالما قرأته بأعينك، وأن تقول لكل إمامٍ منهم: لقد صحبتُك طويلًا في الدنيا، وها أنا اليوم ألقاك.

arrow_forward العودة إلى منشورات لجنة المجلة العلمية