تخيلت نفسي في الجنة
مقال تخيلي عن طالب علم تخيل نفسه في الجنة ولقائه بالعلماء.
🌷 لو دخلتُ الجنة طالما راودتني خاطرةٌ عزيزة، كلما تخيلتُ الجنة وما أعدّ الله فيها لعباده المؤمنين. ✍️:قلت في نفسي: لو أكرمني الله بدخول الجنة، وأدخلني برحمته دارَ كرامته، وأتمّ عليّ نعمته، فمَن أحب أن ألقى بعد الأنبياء وخاتمهم، سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد أصحابه الأبرار، وبعد القرون الثلاثة الفاضلة؟ من أحب أن أجلس إليه، وأستمع إلى حديثه، وأستزيد من علمه، وأتأمل في سيرته، لا من خلال كتابٍ بين يدي، ولا من خلال ترجمةٍ في مصنف، وإنما وجهًا لوجه، في دارٍ لا تعب فيها ولا فراق؟ ✍️ قلت: أحب أن ألقى أولًا الإمام الكبير، شيخ أهل السنة، والثابت يوم المحنة، أبا عبد الله أحمد بن حنبل، رضي الله عنه وأرضاه. أجلس إليه، وأنظر إلى ذلك الإمام الذي حمل من البلاء ما تنوء به الجبال، ثم أقول له: يا إمام أهل السنة، حدثني عن أيام المحنة. حدثني عن تلك الساعات التي كان يستطيع فيها الإنسان أن يتراجع بكلمة، وأن يشتري بها عافيته، ولكنه آثر الثبات على ما يعتقده حقًا، وتحمل في سبيل ذلك ما تحمل. حدثني عن الصبر حين يطول البلاء، وعن اليقين حين تضيق الدنيا على صاحبها، وعن قلب العالم حين يكون بين يديه خياران: أن يقول ما يرضي الناس، أو أن يقول ما يراه حقًا. ثم إذا قال لي: ومن تريد بعدي؟ ✍️ قلت له: أريد أن ألقى إمام أهل الحديث، وأمير المؤمنين في الحديث، أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. أجلس إليه طويلًا، وأقول: يا إمام، حدثني عن الرحلة في طلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني عن تلك البلاد التي قطعتها، والمدن التي دخلتها، والشيوخ الذين لقيتهم، والأسفار التي لم تكن فيها راحة ولا ترف، وإنما كان زادها الشوق إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني كيف جمعت هذا الكتاب العظيم، وكيف ميزت الصحيح من غيره، وكيف كنت تنظر في الرجال والأسانيد والمتون، وكيف اجتمعت لك تلك الهمة التي صنعت بها كتابًا صار من أعظم كتب الإسلام وأشهرها. أريد أن أسمع منك أنت كيف وُلد الصحيح، وكيف عاش معك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج إلى الأمة ذلك السفر الجليل. ثم أصرف وجهي ناحية الأندلس. هناك رجل لا يمكن أن أتجاوزه. ✍️ أقول: أريد أن أرى أبا محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري. أجلس إليه، وأقول: يا ابن حزم، حدثني عن الأندلس. حدثني عن تلك البلاد التي اجتمع فيها العلم والأدب والفقه والمناظرة، وعن خصوماتك العلمية مع المالكية وغيرهم، وعن تلك المناظرات التي لم تكن فيها الكلمة عندك سهلةً ولا الموقف هينًا. حدثني عن شدتك في العبارة، وقوة حجتك، وعن المحن التي لقيتها في الأندلس، وعن الكتب التي نالك بسببها الأذى، وعن أيام التضييق والإبعاد، وعن ذلك الكتاب الذي تعب فيه العقل، وأمضى صاحبه حياته بين العلم والمناظرة والتصنيف. أريد أن أسمع منك أنت، لا أن أقرأ عنك في كتاب. ثم أذهب إلى شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية. أقترب منه، وأقول له، في عتاب المحب لا في خصومة المعترض: يا شيخ الإسلام، ما الذي أوردك كل هذه الموارد؟ لماذا لم تُلين العبارة قليلًا؟ لماذا لم تُهادن القوم في بعض اللفظ، وتدفع عن نفسك شيئًا من البلاء؟ لماذا اخترت الطريق الأصعب، حتى انتهى بك الأمر إلى السجن، وبقيت في سجن دمشق حتى لقيت الله؟ ثم أسكت. فلعل الرجل يجيبني بجوابٍ لا يحتاج إلى كثير كلام. فبعض الرجال إذا استقر الحق في قلوبهم، لم تعد سلامة الأجساد هي الغاية، ولا رضا الناس هو المطلب. وبعض الأرواح إذا عرفت طريقًا، لم تستطع أن تحيد عنه، ولو كان في آخر الطريق سجنٌ أو محنة. ✍️ ثم أقول: بقي لي إمام آخر. إنه الإمام الكبير، تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، رحمه الله تعالى. أجلس إليه جلسةَ طالب علم بين يدي إمامٍ من أئمة الفقه والأصول. لا أريد أن أسأله سؤالًا واحدًا ثم أنصرف، بل أريد أن أطيل الجلوس. أريد أن أنهَل من فقهه، ومن علمه، ومن ورعه. أقول له: يا إمام، حدثني عن الفقه حين يكون عبادة، وعن العلم حين يصير خشية، وعن العالم حين لا يكون همه الانتصار لرأيه، وإنما الوصول إلى الحق. حدثني عن دقائق الفقه، وعن أصول النظر، وعن تلك الرحلة الطويلة التي قطعها العقل بين النص والاستنباط والترجيح. ثم أقول له: يا إمام، لقد بلغت من العلم ما بلغت، وخلّفت من المصنفات ما خلّفت، فما الذي كان العلم يفعله في قلبك؟ فإن العلم الذي لا يزيد صاحبه خشيةً، ولا يورثه تواضعًا، ولا يحجزه عن الهوى، ليس هو العلم الذي نبحث عنه. ثم أجلس صامتًا، وأنصت. أريد أن أنهَل من ذلك المجلس كما ينهل الظمآن من الماء، وأن أرى في الإمام صورة العالم الذي اجتمع له سعة العلم مع خشية القلب، وقوة الحجة مع ورع النفس. ✍️ ثم ألتفت إلى حافظ الدنيا، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. وأقول له: يا ابن حجر، حدثني عن فتح الباري. كيف عشت مع هذا الكتاب؟ كم ليلة قضيتها بين دفاته؟ كم مرة رجعت إلى كتاب لتتحقق من لفظ، أو سند، أو معنى؟ حدثني عن تلك الرحلة الطويلة التي جمعت فيها أقوال العلماء، وتتبعّت طرق الحديث، ووازنت بين الروايات، ورجعت إلى الأصول والمصنفات، حتى خرج هذا السفر العظيم إلى الناس. حدثني عن الكتب التي اعتمدت عليها، وعن العلماء الذين سبقوك، وعن ذلك الحشد الهائل من المؤلفات الذي احتشد في ذهنك وكتابك. كيف استطعت أن تجمع شتات تلك العلوم في مصنف واحد، حتى صار فتح الباري كأنه رحلة أخرى داخل رحلة البخاري؛ فالبخاري رحل في الأرض يطلب الحديث، وابن حجر رحل في الكتب والعقول يطلب فهم الحديث. ثم أنظر حولي. فأجدني في الجنة، وقد اجتمع أولئك الأئمة الذين طالما قرأت أخبارهم في الدنيا. أحمد بن حنبل. والبخاري. وابن حزم. وابن تيمية. والسبكي. وابن حجر. وغيرهم من أولئك الذين ملؤوا صفحات التاريخ علمًا وصبرًا واجتهادًا. وهنا أشعر أن الدنيا كانت قصيرةً جدًا. كنا نقرأ أخبارهم في الكتب، ونحاول أن نتخيل وجوههم وأصواتهم ومجالسهم. كنا نسأل: ماذا قال أحمد؟ وكيف جمع البخاري صحيحه؟ وماذا كتب ابن حزم؟ ولماذا صبر ابن تيمية؟ وكيف بلغ السبكي تلك المنزلة في الفقه والأصول؟ وكيف صنع ابن حجر فتح الباري؟ أما هناك، فلا حاجة إلى الكتب. لا أبحث عن ترجمة عالم. ولا أقلب صفحات مصنف. ولا أفتش عن سندٍ في كتاب. بل أجلس إليهم وأقول: حدثوني أنتم. حدثني يا أحمد عن المحنة. وحدثني يا بخاري عن الرحلة. وحدثني يا ابن حزم عن الأندلس. وحدثني يا ابن تيمية عن الصبر والثبات. وحدثني يا سبكي عن الفقه والورع. وحدثني يا ابن حجر عن البخاري وفتح الباري. يا لها من أمنية! ويا لها من مجالس لو أذن الله بها! لكنني أعلم أن أعظم ما في الجنة ليس هذه المجالس وحدها، ولا لقاء العلماء والصالحين وحده، وإنما أعظم نعيمها رضوان الله، والنظر إلى وجهه الكريم، وتمام الأمن، وانقطاع الخوف والحزن، والخلود في دار لا يزول نعيمها. ولذلك، فكل هذه الأماني لا أطلبها إلا بعد رحمة الله وفضله. اللهم إن كنا لم نبلغ في الدنيا مبلغ أولئك الرجال، فلا تحرمنا بركة محبتهم. وإن لم ندرك زمانهم، فلا تحرمنا صحبتهم. وإن لم نستطع أن نبلغ منزلتهم، فلا تحرمنا الاقتداء بهم. اللهم اجمعنا بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ومن أهل العلم النافع، والعمل الصالح، والقلوب الخاشعة. وإن أكرمتنا بدخولها، فاجعل لنا فيها مجلسًا مع أهل العلم والفضل، مجلسًا لا ينفض، وحديثًا لا ينقطع، وفرحًا لا يزول. فيا رب، إن كانت لنا أمنية بعد النجاة، فهذه أمنيتي: أن أجلس في الجنة إلى أولئك الذين أحببتهم في الدنيا، وأن أسمع منهم ما كنت أقرأه عنهم في الكتب. اللهم آمين. كتبه محمد مختار الباقوري عفا الله عنه