الصلاة.. طريقٌ إلى مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات
يتناول هذا المقال عظيم فضل الصلاة وأثرها في حياة المسلم، فهي من أعظم أسباب تكفير السيئات ورفع الدرجات، كما دلت على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ. ويعرض الكاتب صورًا متعددة لهذا الفضل، منها: المحافظة على الصلوات، وإحسان الوضوء، وكثرة السجود، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة، وإجابة المؤذن، وموافقة تأمين الملائكة. ويؤكد المقال أن ثمرة الصلاة لا تكتمل بمجرد أداء حركاتها، بل بحضور القلب والخشوع وإقامة أركانها وواجباتها وسننها، لتكون الصلاة سببًا حقيقيًا في تزكية النفس ومغفرة الذنوب ورفعة الدرجات.
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صَلَّى اللّٰهُ وَسَلَّم وبَارِك عَلَيهِ وَعَلى آلهِ وصَحْبِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ، ورُكْنُهُ المَتِينُ، وقُرَّةُ عُيُونِ المُؤْمِنِينَ، وجَلَاءُ هُمُومِ المُقَرَّبِينَ، وقَدْ جَعَلَهَا اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى مَفْزَعًا لِلْعَابِدِينَ، ومَطْهَرَةً لِلْمُذْنِبِينَ، ومَرْفَعَةً لِدَرَجَاتِ السَّالِكِينَ. ولا يَزَالُ العَبْدُ يُعَالِجُ مَصَائِبَ الذُّنُوبِ وأَوْزَارَ الخَطَايَا حَتَّى يَفْزَعَ إِلَى هَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا وقَدْ طَهُرَ بَاطِنُهُ وظَاهِرُهُ وكَانَت سبباً في رفعهِ درجاتٍ . وذَلِكَ فِي مَواضِعَ كثِيرةٍ مِنْها : أَوَّلًا: الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ للذُّنُوبِ : قَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ العَلِيِّ الخَبِيرِ أَنْ يَكُونَ البَشَرُ عُرْضَةً لِلْخَطَأِ والنَّقْصِ، فَجَعَلَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنَ الصَّغَائِرِ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، إذا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ. ودليل ذلك من الكتاب والسنة فمِنَ الكِتَابِ: في أصل الصلاة نفسها : قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. فالصلاة ذاتها مكفرة للسيئات ورافعة للدرجات وهذا من عظيم فضل الله – عز وجل -. و مِنَ السُّنَّةِ: في عدة مواضع : الموضع الأول : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ). يمحو الله بهن الخطايا التى دون الكبائر . الموضع الثاني : ورَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ». الصلاة المكتوبة : المفروضة وذلك العمر كله مهما طال عمره . الموضع الثالث :عُثمانَ بنَ عَفَّانَ - رَضيَ اللهُ عنه - دَعا بوَضوءٍ فتَوضَّأ، فغَسَلَ كَفَّيه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضمَضَ واستَنثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وجهَه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَه اليُمنى إلى المِرفقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَه اليُسرى مِثلَ ذلك، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَه، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَه اليُمنى إلى الكَعبَينِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ اليُسرى مِثلَ ذلك. ثُمَّ قال: رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَوضَّأ نَحو وُضوئي هذا، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن تَوضَّأ نَحو وُضوئي هذا ثُمَّ قامَ فرَكَعَ رَكعَتَينِ لا يُحَدِّثُ فيهما نَفسَه، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ). هذا الأجر العظيم جعله الله لمن يحسن وضوءه ويخشع في صلاته ولو كانت ركعتين فقط ولو كانتا خفيفتين وسواء كانت نافلة أم فريضة . ومغفرة الله له ما تقدم من ذنبه : اختلف العلماء في ذلك هل تشمل المغفرة الكبائر أو لا ؟ ولكل منهما أدلة قوية . والخلاصة : لم يذكرالنبي ﷺ قيد الكبائر ؛ ولهذا أسْتَحْسِنُ قول بعض العلماء أن فضل الله واسع عسى أن يكون مغفرة لكل الذنوب . ولكن انتبه : مغفرة الذنوب التي بين العبد وربه أما حقوق العباد لابد من أداء حقوقهم أو يعفوا , ولا يشملها المغفرة العامة . الموضع الرابع : في دعاء الاستفتاح : عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسكُتُ بينَ التَّكبيرِ وبينَ القِراءةِ إسكاتةً قال أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقُلتُ: بأبي وأُمِّي يا رَسولَ اللهِ، إسكاتُكَ بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ ما تَقولُ؟ قال: «أقولُ: اللهُمَّ باعِدْ بَيني وبينَ خَطايايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، اللهُمَّ نَقِّني مِنَ الخَطايا كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغسِلْ خَطايايَ بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ ). لَا يَقِفُ فَضْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى رَفْعِ والدَّرجاتِ وإعداد المنازل فِي الجَنَّةِ. . ثَانِيًا: فِي رَفْعُ الدَّرَجَاتِ : الموضع الخامس : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الموضع السادس : إسباغ الوضوء هو إتمام غسل الأعضاء واستيعابها بالماء مع الشدة والبرد, أو حرارتها مع شدة الحر . الموضع السابع : وكثرة الخطا إِلَى المَسَاجِدِ الموضع الثامن : وانتظار الصلاة بعد الصلاة لتعلقه بها ففيها سعادته ودليل ذلك أنه ينظر الصلاة التى بعدها لشدة حبه لها ولا يملها . وأدلة: إسباغ الوضوء وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة مجتمعين في قولهﷺ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فكثرة الخطا إلى المساجد كل خطوة يخطوها المصلي إلى المسجد تؤدي عملين متلازمين: ترفع درجة وتحط خطيئة. وعنه أيضاً عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خُطُوَاتُهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» (رواه مسلم). الموضع التاسع : إجابة المؤذن والدعاء بعد الأذان متابعة المؤذن وقول الذكر المشروع عقب الأذان موطن مغفرة للذنوب. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (رواه مسلم). الموضع العاشر: موافقة تأمين المصلي لتأمين الملائكة عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم). فعند قول الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ في الصلاة الجهرية، فإن موافقة قول "آمين" مع تأمين الملائكة سبب لمغفرة ما تقدم من الذنوب وهذا فضل عظيم , ويقال في مغفرة ما تقدم من الذنوب ما قيل في حديث عثمان - رضي الله عنه - واعلم أن زمن تأمين الملائكة بعد قول الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ولذلك قال ﷺ (فَقُولُوا: آمِينَ) قد يقول قائل : هل يُحرمُ الإمامُ هذا الفضل العظيم فليس مذكورا في الحديث ؟ الجواب : فليبشر الإمام لأنه داخل من باب أولى فبسببه أمَّنَ المأمومون والملائكة الكرام , بل وله مثل أجر من صلى خلفه مهما كثر عددهم ولو ملايين كما في الحرمين ففضل الله عظيم وواسع . الموضع الحادي عشر: المكوث في المصلى مالم يُحدث عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» (رواه البخاري). والأدلة والنصوص في هذا الباب كثيرة والحريص على الخير والفضل العظيم يبحث ويتتبع تلك النصوص ليعمل بها , وكان يكفي الإشارة إليها وحط قدمك على الطريق لتكمله أنت أخي القارئ وكانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ – رحمهم الله - يَرَوْنَ أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ ورَفْعَ الدَّرَجَاتِ لَا يَحْصُلَانِ بِمُجَرَّدِ حَرَكَاتِ الجَسَدِ، بَلْ بِمَا يُقَارِنُهَا مِنْ حُضُورِ القَلْبِ وخَشْيَةِ اللّٰهِ عزَ وجلَ . قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يَحْضُرُ فِيهَا القَلْبُ، فَهِيَ إِلَى العُقُوبَةِ أَسْرَعُ». وقالَ الحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «إِذَا أَتَتْكَ الصَّلَاةُ فَأَعْطِهَا حَقَّهَا، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي هَلْ تُصَلِّي غَيْرَهَا أَمْ لَا» فَالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بأَرْكَانِهَا، وواُجِبَاتِهَا، وخُشُوعِهَا، وسُنَنِهَا، لِيَكُونَ لَهَا الأَثَرُ العَظِيمُ فِي تَهْذِيبِ النَّفْسِ وحَطِّ الأَوْزَارِ ورفعِ الدرجاتِ . نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ، ومِمَّنْ تُكَفَّرُ عَنْهُمُ السَّيِّئَاتُ وتُرْفَعُ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. كتبه أخوكم / أحمد عبد القادر البشبيشي البنوي المصري ليلة ٢٤ من ربيع الأول لسنة ١٤٤٨ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ٦من سبتمبر ٢٠٢٦