الأمانة في حمل العلم ونقله للأجيال
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
رئيس الاتحاد العالمي للمسندين
كلمة رئيس الاتحاد
الأمانة في حمل العلم ونقله للأجيال
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ من مزايا هَذِهِ الأُمَّةِ، وَرَفَعَ بِهِ مَنَازِلَ العِلْمِ، وَحَفِظَ بِهِ الدِّينَ مِنْ تَحْرِيفِ الغَالِينَ وَانْتِحَالِ المُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الجَاهِلِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَتَرَكَ الأُمَّةَ عَلَى مِثْلِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛
فَإِنَّ الأُمَمَ تُحْفَظُ بِجُيُوشِهَا، وَتُحْفَظُ اللُّغَاتُ بِآدَابِهَا، وَيُحْفَظُ الدِّينُ بِعُلَمَائِهِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ: أَنْ جَعَلَ لَهَا سِلْسِلَةً مِنَ النُّورِ تُوصِلُ آخِرَهَا بِأَوَّلِهَا، وَحَاضِرَهَا بِنَبِيِّهَا ﷺ، وَتِلْكَ السِّلْسِلَةُ هِيَ الإِسْنَادُ.
وَمَا الإِسْنَادُ فِي حَقِيقَتِهِ إِلَّا عَهْدٌ عَلَى الذَّاكِرَةِ أَلَّا تَخُونَ، وَعَلَى اللِّسَانِ أَلَّا يَزِيدَ وَلَا يَنْقُصَ، وَعَلَى القَلْبِ أَلَّا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَلَقَدْ فَهِمَ سَلَفُنَا مَعْنَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ».
وَمَا أَحْوَجَ الأُمَّةَ اليَوْمَ إِلَى أَنْ تُجَدِّدَ صِلَتَهَا بِهَذَا المَعْنَى؛ لِأَنَّ زَمَانَنَا قَدْ كَثُرَ فِيهِ النَّقْلُ وَقَلَّ فِيهِ التَّثَبُّتُ، وَاتَّسَعَ فِيهِ الصَّوْتُ وَضَعُفَ فِيهِ السَّنَدُ، وَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَطْلُبُونَ المَعْلُومَةَ وَلَا يَطْلُبُونَ المَصْدَرَ، وَيَتَلَقَّوْنَ الكَلِمَةَ وَلَا يَسْأَلُونَ: مِمَّنْ أُخِذَتْ؟ وَكَيْفَ وُرِثَتْ؟
مِنْ هُنَا جَاءَتْ فِكْرَةُ الِاتِّحَادِ العَالَمِيِّ لِلْمُسْنِدِينَ؛ لَا لِيَكُونَ نَادِيًا لِلأَسْمَاءِ، وَلَا مَعْرِضًا لِلإِجَازَاتِ، وَلَا مَوْكِبًا لِلأَلْقَابِ؛ وَلَكِنْ لِيَكُونَ مِحْرَابًا لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ، وَمَنْصَّةً لِجَمْعِ أَهْلِ الإِسْنَادِ عَلَى خِدْمَةِ الوَحْيَيْنِ، وَجِسْرًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ خِبْرَةُ المَاضِي إِلَى أَجْيَالِ المُسْتَقْبَلِ.
إِنَّ فَلْسَفَةَ هَذَا الِاتِّحَادِ لَيْسَتْ فِي جَمْعِ الأَسَانِيدِ وَحْدَهَا؛ فَإِنَّ السَّلَفَ مَا جَمَعُوا الإِسْنَادَ لِيَتَكَاثَرُوا بِهِ، وَلَكِنْ جَمَعُوهُ لِيُحْسِنُوا العَمَلَ بِهِ.
وَإِنَّمَا قِيَمَةُ الإِسْنَادِ أَنَّهُ يُنْشِئُ الإِنْسَانَ المُتَوَاضِعَ؛ فَكُلَّمَا عَلَا سَنَدُهُ عَلِمَ أَنَّهُ وَارِثٌ لَا مُبْتَدِعٌ، وَمُتَلَقٍّ لَا مُنْشِئٌ، وَأَنَّ الحَقَّ أَقْدَمُ مِنْهُ وَأَبْقَى مِنْهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
فَلَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ بِالِاسْتِزَادَةِ مِنْ شَيْءٍ كَأَمْرِهِ بِالِاسْتِزَادَةِ مِنَ العِلْمِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فَجَعَلَ طَرِيقَ العِلْمِ السُّؤَالَ وَالتَّلَقِّي وَالرُّجُوعَ إِلَى الأُصُولِ.
وَنَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ رِسَالَةَ الِاتِّحَادِ لَيْسَتْ أَنْ تُعِيدَ المَاضِي، بَلْ أَنْ يُحْسِنَ إِيصَالَهُ، وَلَيْسَ أَنْ يَحْفَظَ الأَسْمَاءَ، بَلْ أَنْ يُحْيِيَ المَعَانِي، وَلَيْسَ أَنْ يُخَرِّجَ حَامِلِي الإِجَازَاتِ، بَلْ أَنْ يُخَرِّجَ حَمَلَةَ الرِّسَالَاتِ.
وَمَا زَالَتِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيهَا مَنْ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَسَمِعْنَا، وَتَلَقَّيْنَا.
وَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْتَدِئُ بِهِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ: أَنْ نُذَكِّرَ أَنْفُسَنَا أَنَّ العِلْمَ عِبَادَةٌ، وَأَنَّ الإِسْنَادَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ مَنْ حَمَلَ كَلِمَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَمَلَ وَدِيعَةً سَيُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
وَإِذَا كَانَتِ الأُمَمُ تُقِيمُ حُدُودَهَا بِالسِّيَاسَاتِ، وَتُشَيِّدُ مُؤَسَّسَاتِهَا بِالقَوَانِينِ، فَإِنَّ أُمَّةَ الإِسْنَادِ تُقِيمُ بُنْيَانَهَا بِالثِّقَةِ، وَتَبْنِي أَجْيَالَهَا بِالتَّلَقِّي، وَتَسْتَمِدُّ بَقَاءَهَا مِنْ سِلْسِلَةٍ لَمْ تُقْطَعْ مُنْذُ أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ».
فَلَيْسَ شَرَفُ المُسْنِدِ أَنَّهُ يَرْوِي فَقَطْ، بَلْ أَنْ يَكُونَ وَعَاءً أَمِينًا لِمَا رَوَى، وَحَارِسًا لِمَا حَمَلَ، وَشَاهِدًا عَلَى صِدْقِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي نَقْلِ دِينِهَا.
إِنَّ رِسَالَةَ الِاتِّحَادِ العَالَمِيِّ لِلْمُسْنِدِينَ تَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ:
الأَصْلُ الأَوَّلُ: إِعَادَةُ مَعْنَى السَّنَدِ إِلَى مَرْكَزِ الحَيَاةِ العِلْمِيَّةِ.
فَالإِسْنَادُ لَيْسَ تَرَاثًا مَحْفُوظًا فِي الرُّفُوفِ، بَلْ مَنْهَجٌ فِي التَّثَبُّتِ وَالتَّحَقُّقِ وَالتَّلَقِّي وَالإِنْصَافِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
فَهَذِهِ الآيَةُ ـ وَإِنْ كَانَتْ فِي سَبَبٍ مَعْلُومٍ ـ فِيهَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي التَّثَبُّتِ، وَالإِسْنَادُ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ هَذَا التَّبَيُّنِ.
الأَصْلُ الثَّانِي: بِنَاءُ جِيلٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ.
فَلَيْسَ مِنْ مَقَاصِدِنَا أَنْ يَكْثُرَ حَمَلَةُ الإِجَازَاتِ وَيَقِلَّ حَمَلَةُ الفَهْمِ.
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَعُدُّونَ الفَهْمَ رُوحَ العِلْمِ.
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَوِ فهَمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ».
فَكَمْ مِنْ نَاقِلٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَكَمْ مِنْ حَافِظٍ لَمْ يَتَحَوَّلِ العِلْمُ فِي قَلْبِهِ إِلَى نُورٍ وَعَمَلٍ.
الأَصْلُ الثَّالِثُ: تَوْحِيدُ جُهُودِ المُسْنِدِينَ وَرَبْطُ أَطْرَافِ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ.
فَإِنَّ التَّفَرُّقَ يُضْعِفُ المَوَارِدَ، وَيُفَرِّقُ الجُهُودَ، وَيَجْعَلُ كُلَّ جِهَةٍ تُعِيدُ مَا صَنَعَتْهُ الأُخْرَى.
أَمَّا إِذَا اجْتَمَعَتِ الخِبْرَاتُ، وَتَوَاصَلَتِ المَدَارِسُ، وَتَعَاوَنَ المُسْنِدُونَ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى؛ فَإِنَّ نَفْعَ العِلْمِ يَتَّسِعُ وَيَعْظُمُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
الأَصْلُ الرَّابِعُ: صِيَاغَةُ مُسْتَقْبَلٍ عِلْمِيٍّ يَلِيقُ بِتَارِيخِ الأُمَّةِ.
فَلَا يَكْفِي أَنْ نَحْفَظَ المَخْطُوطَاتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِحْيَاءِ مَعَانِيهَا.
وَلَا يَكْفِي أَنْ نُخَرِّجَ الطَّلَبَةَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ صِنَاعَةِ القُدُوَاتِ.
وَلَا يَكْفِي أَنْ نُؤَسِّسَ مَبَانِيَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَأْسِيسِ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ هَذَا المِيرَاثَ بِخُلُقِهِ قَبْلَ كِتَابِهِ.
إِنَّ مُسْتَقْبَلَ الِاتِّحَادِ ـ بِإِذْنِ اللَّهِ ـ لَيْسَ مُسْتَقْبَلَ مُؤَسَّسَةٍ، بَلْ مُسْتَقْبَلُ فِكْرَةٍ.
فِكْرَةُ أَنَّ الأُمَّةَ الَّتِي حَفِظَتْ أَدَقَّ كَلِمَاتِ نَبِيِّهَا، قَادِرَةٌ أَنْ تُعِيدَ لِلْعَالَمِ مَعْنَى الأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ.
وَفِكْرَةُ أَنَّ المَعْرِفَةَ لَيْسَتْ مَا يُنْشَرُ، بَلْ مَا يُوثَقُ.
وَأَنَّ العُلُوَّ فِي السَّنَدِ لَا يَنْفَعُ إِلَّا إِذَا صَاحَبَهُ عُلُوٌّ فِي الإِخْلَاصِ وَالأَدَبِ وَالعَمَلِ.
وَإِنَّنَا نَدْعُو كُلَّ عَالِمٍ، وَمُسْنِدٍ، وَبَاحِثٍ، وَطَالِبِ عِلْمٍ، أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حَلْقَةً فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ المُبَارَكَةِ؛ فَرُبَّ حَلْقَةٍ صَغِيرَةٍ حَفِظَ اللَّهُ بِهَا دِينًا، وَأَحْيَا بِهَا أُمَّةً.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الِاتِّحَادَ مِفْتَاحًا لِلخَيْرِ، وَمِعْوَلًا لِلْبِنَاءِ، وَمَجْمَعًا لِكَلِمَةِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
رئيس الاتحاد العالمي للمسندين